بين الحكمة والحماقة

بين الحكمة والحماقة!

بين الحكمة والحماقة!

 صوت الإمارات -

بين الحكمة والحماقة

بقلم - عبد المنعم سعيد

نُعلم الطلاب أنه في العلاقات الدولية ثلاثة مستويات من التحليل: النظام الدولي، والدولة موضع العلاقة، والفرد القائد الذي عليه اتخاذ القرارات. العادة جرت أن كل مستوى ينفرد وحده بالمقال أو الكتاب أو الأطروحة، ولكن الواقع يشهد دائماً أن المستويات الثلاثة متداخلة. وعلى سبيل المثال، فإن الأزمة/ الحرب الأوكرانية نشبت من احتدام الحاجة إلى مراجعة النظام الدولي الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة، وسادته الولايات المتحدة. والمراجعة تطلب دائماً إعادة ترتيب القوى الدولية ومكانتها في اتخاذ القرارات العالمية، ولكن حتى يحدث ذلك، فلا بد من لحظة اختبار حارة يعجم فيها كل طرف عود الطرف أو الأطراف الأخرى، وهي أحياناً ما تكون لحظة حرب. طرفا الحرب الأساسيان حالياً هما روسيا وأوكرانيا، وهما وحدات حية من التجمع الإنساني لديها قدراتها المتنوعة من عسكرية إلى اقتصادية إلى ثقافية، وهكذا أمور تستخدم في مناوأة الطرف الآخر، وعلى تماسكها وصمودها ووطنيتها تتوقف نتيجة المواجهة. القيادات لدى البلدين ومعاونوها تمثل وحدة صنع القرار التي تدير الأزمة والحرب، وتبني التحالفات، وتتعرف على الأعداء، وهي التي تحدد أهداف الحرب الاستراتيجية والتكتيكية، وعلى خريطتها الذهنية يتوقف استمرار الصراع أو انتهاؤه، وقرارات الحرب والسلام. هذا المستوى من التحليل تتوقف على حكمته أو حماقته القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية التي تقود إلى النصر أو الهزيمة، أو أنها تحافظ على الدولة وسلامتها الإقليمية. هي حلقة حاسمة، وهي التي تكتب كثيراً في كتب التاريخ، وتدور من حولها الملاحم والأساطير، والبطولة والزعامة في ناحية، والخيانة والانتحار في ناحية أخرى. وبينما يكون لمستوى النظام الدولي وطموحات الدولة أولوية تحليلية عند بداية الصراع والمواجهة، فإن القائد الفرد هو الذي يحسم الكثير من المواقف بقراراته التي تزداد أهميتها كلما كان الموقف حرجاً، والضباب فيه يكون كثيراً. وقد عرف التاريخ كثرة من الحكماء الذين عرفوا كيف يحققون أهدافهم من دون أن تزيغ أبصارهم بأن يطلبوا المزيد، وأكثر منهم من الحمقى الذين تصوروا أن لديهم حقاً تاريخياً أو قدرياً في الحصول على ما هو أكثر.
اللحظة الحالية من الأزمة/ الحرب الأوكرانية هي لحظة للحكمة بقدر ما فيها من زمن للحماقة. الرئيس بوتين كان بطلاً على الأقل وسط مواطنيه، ونال كثيراً من الإعجاب عندما طرح مع الصين الرغبة في مراجعة النظام الدولي، وعندما طالب أوكرانيا بعدم السماح لحلف «الأطلسي» بالاقتراب من الحدود الروسية. كانت الأسباب «الجيوسياسية» حاضرة، ووقتها كانت قوته العسكرية - والنووية خاصة - ملحوظة، ولكنه قرر أن يدفع الحظوظ بعيداً بمغامرة الدخول العسكري الفعلي إلى أوكرانيا، والمطالبة بنزع سلاحها، وتغيير نظامها، وضم الكثير من أراضيها. الخطأ يظهر عند القادة عموماً عندما يحاولون قضم ما لا يستطيعون ابتلاعه، وحدث هذا عندما لم يتعلم الرئيس بوتين من درس الانسحاب من العاصمة الأوكرانية، وتوجهه نحو حصار أوكرانيا من الجنوب والشرق، وعزلها عن البحر الأسود. الرئيس زيلينسكي في أوكرانيا أصبح منعوتاً بصفات تشرشل؛ لأنه راهن على شعبه ووطنيته واستعداده للتضحية؛ فلم يصمد فقط للهجوم الروسي على كييف ويدفعه بعيداً، وإنما نجح في جذب الغرب ناحيته، وتقديم مساعدات فارقة من خلال صموده وخطبه التي راح يجول بها في برلمانات البلدان الغربية؛ وفي النهاية كظم الكثير من الغيظ حتى بدأ هجوماً مضاداً استرد فيه خاركيف في شمال الشرق، وقضم مناطق لا بأس بها في الجنوب جعلت ثمن التمدد الروسي فادحاً. الآن يبدو أن زيلينسكي يريد قضم ما لن يستطيع ابتلاعه؛ عندما يطالب بالخروج الروسي الكامل من أوكرانيا جنوباً وشرقاً، ومن إقليم القرم أيضاً.
اللحظة الراهنة من الحرب الروسية - الأوكرانية هي لحظة للحكمة أو للحماقة، وتكون الحكمة عندما يقبل الطرف بالحد الأدنى من النصر، ويتجنب الحد الأقصى من الهزيمة. الرئيس بوتين لديه الآن وتحت سيطرته إقليم الدونباس الذي لديه فيه حجة لا بأس بها، وهي أن سكانه يتحدثون الروسية، ولهم ولاءات روسية، ولكن ما عدا ذلك سوف يعني استمرار الحرب التي يبدو أن دفتها انقلبت في غير صالحه، وفيها سوف يكون هناك نزيف هائل للقدرات العسكرية والاقتصادية. استمرار الحرب سوف يضغط كثيراً على الداخل الروسي، وساعتها سوف يكون المزيد من القهر في الداخل، وربما المغامرة بالاستخدام التكتيكي للأسلحة النووية. زيلينسكي حقق الكثير من المكاسب؛ فقد حافظ على جميع الأراضي التي يدين ولاء سكانها لأوكرانيا، وحقق انتصارات ملحوظة في مواجهة قوى عظمى عاتية، ويمكنه أن يحقق المزيد عند تحرير خيرسون، وبات لديه مقعد مضمون في الاتحاد الأوروبي. الإصرار بعد ذلك أن تنسحب روسيا من إقليم الدونباس غير المضمون الولاء، وإقليم القرم المتنازع عليه تاريخياً، هو تخطٍّ كبير للقدرات الأوكرانية، وسوف يسرع من حالة السخط في أوروبا على حرب لم يعد أحد على استعداد للمزيد من التضحيات في سبيلها.
وفي العصر الحديث، فإن العبور من الحماقة إلى الحكمة يحتاج الكثير من المساعدة الحكيمة التي تأتي عادة من أطراف ثالثة تحصل على الكثير من العون، سواء جاء من أطراف دولية أخرى، أو من حظوظ وأقدار. وفي الوقت الراهن، فإنه في جميع أشكال التصويت داخل مجلس الأمن، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن الأغلبية انحازت - من الناحية الأخلاقية على الأقل - إلى جانب أوكرانيا، ولكن ذات الأغلبية صوّتت بطريقة أخرى عندما أبقت علاقاتها مع روسيا التي هي من الحجم والقدرة بحيث لا يمكن الاستغناء عنها ويبقى التوازن الدولي محفوظاً. وفي الأسابيع الأخيرة، تزايد الاقتناع العالمي بأن الحرب بالغة الضرر، ليس فقط لطرفيها، وإنما للعالم أجمع الذي بات يعاني من قسوة أزمات الطاقة والغذاء والتضخم وسلاسل التوريد... إلى آخر القائمة المعروفة. بات العالم مصرّاً، ليس على نصر روسيا أو أوكرانيا، وإنما وقف الحرب وكفى. وهنا تحديداً تأتي أطراف لها مصالح كبرى في هذه النتيجة، وفي نفس الوقت لديها أدوات الوساطة المؤسسية التي تستطيع استنفار الحكمة ووأد الحماقة. الصين والهند هنا أصبحتا الصف القائد للسخط العالمي على الحرب، وكلتاهما لها علاقات وصفقات تاريخية مع روسيا والغرب عموماً، ومن ثم أوكرانيا. تقدمهما إلى هذه المهمة سوف يكون شرفاً تاريخياً، وما تقدمانه يكون وقف إطلاق النار من ناحية، وطرح المناطق الأربع التي ضمتها روسيا إلى استفتاء الولاء مرة أخرى بين روسيا وأوكرانيا، على أن يكون ذلك تحت الإشراف الكامل للأمم المتحدة، ومنظمات عالمية أخرى. تفاصيل ذلك عديدة، وتحتاج إلى الكثير من المهارة التقنية، ومن الجائز أن ترفضها روسيا كلّيةً، انتظاراً لما سوف يفرزه قرار تعبئة 300 ألف جندي من نتائج ميدانية، ومن الجائز أن ترفضها أوكرانيا أيضاً؛ لأنها تعتقد أنها على أبواب النصر. ببساطة سوف تكون هناك مراهنة على الحماقة، والثمن الذي لا يمكن الحصول عليها إلا بثمن باهظ، لا يُظن أن العالم يتحمله، وبالتأكيد لا روسيا ولا أوكرانيا ولا الغرب كله.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين الحكمة والحماقة بين الحكمة والحماقة



GMT 02:30 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السادة الرؤساء وسيدات الهامش

GMT 02:28 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«وثائق» عن بعض أمراء المؤمنين (10)

GMT 02:27 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

من يفوز بالطالب: سوق العمل أم التخصص الأكاديمي؟

GMT 02:26 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

روبرت مالي: التغريدة التي تقول كل شيء

GMT 02:24 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية وفشل الضغوط الأميركية

GMT 20:09 2019 الأحد ,20 كانون الثاني / يناير

السنغال واحدة مِن أفضل الوجهات السياحية لعام 2019

GMT 13:40 2018 الإثنين ,22 تشرين الأول / أكتوبر

مريم المهيري تستعرض جهود تحقيق الاكتفاء الغذائي في الدولة

GMT 19:40 2018 الخميس ,27 أيلول / سبتمبر

"اهدى يا مدام" قصة جديدة من مسلسل "نصيبى وقسمتك 2"

GMT 05:47 2015 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

"كهرباء القدس" تواصل تطوير خدمات الكهرباء العصرية

GMT 07:07 2014 الأحد ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

الجامعة الإسلامية تشارك في معرض اسطنبول الدولي للكتاب

GMT 04:37 2015 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

معرض لتراث سورية في مخيم الزعتري

GMT 08:58 2018 الخميس ,26 إبريل / نيسان

رباعية دفع فاخرة جديدة من "بي إم دبليو"

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

الفنان حسن الرداد في "برنامج معكم" مع منى الشاذلي الجمعة

GMT 16:06 2014 الثلاثاء ,30 أيلول / سبتمبر

اللون البني لعاشقات الإطلالة المميزة في شتاء 2015

GMT 21:46 2013 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

شباب حوامل لتوعية المراهقات الأميركيات

GMT 12:18 2017 الأحد ,08 تشرين الأول / أكتوبر

عبير صبري تُعلن عن تفاصيل دورها في مسلسل "الحب الحرام"

GMT 11:43 2012 الجمعة ,22 حزيران / يونيو

مغسلة توحي بالملوكية والرقي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
emirates , emirates , Emirates